سيد محمد طنطاوي
76
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : * ( إِنَّ رَبَّكَ ) * أيها الرسول الكريم ، الذي رباك برعايته وعنايته ، واختارك لحمل رسالته * ( هُوَ ) * - سبحانه - * ( الْخَلَّاقُ ) * لك ولهم ولكل شيء في هذا الوجود . * ( الْعَلِيمُ ) * بأحوالك وبأحوالهم ، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات . وقد علم - سبحانه - أن الصفح عنهم في هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم ، فحقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه - ، وأن تكل الأمور إليه . ولقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من اللَّه - تعالى - لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم فقد نرتب على هذا الصفح : النصر للنبي صلى اللَّه عليه وسلم وللمؤمنين ، والهداية لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا في الإسلام بعد نزول هذه الآية ، وصاروا قوة للدعوة الإسلامية بعد أن كانوا حربا عليها ، وتحقق - أيضا - قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « لعل اللَّه أن يخرج من أصلابهم من يعبد اللَّه - عز وجل - » . ثم أتبع - سبحانه - هذه التسلية والبشارة للرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ما سواها ، ليزيده اطمئنانا وثقة بوعد اللَّه - تعالى - فقال : * ( ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي والْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) * . والمراد بالسبع المثاني : صورة الفاتحة . وسميت بذلك ، لأنها سبع آيات ، ولأنها تثنى أي تكرر في كل ركعة من ركعات الصلاة . قال صاحب الكشاف : والمثاني من التثنية وهي التكرير للشيء ، لأن الفاتحة تكرر قراءتها في الصلاة . أو من الثناء ، لاشتمالها على ما هو ثناء على اللَّه - تعالى - . . . » « 1 » . والمعنى : ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة التي هي سبع آيات ، والتي تعاد قراءتها في كل ركعة من ركعات الصلاة ، وأعطيناك - أيضا - القرآن العظيم الذي يهدى للطريق التي هي أقوم . وأوثر فعل * ( آتَيْناكَ ) * بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك ، أو أنزلنا عليك لأن الإعطاء أظهر في الإكرام والإنعام . وقوله * ( والْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) * معطوف على * ( سَبْعاً ) * من باب عطف الكل على الجزء ، اعتناء بهذا الجزء . ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عظيم ، تنويها بشأنه ، وإعلاء لقدره .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 397 .